Loading...
You are here:  Home  >  Arabic  >  Current Article

تتشابه سيرة دكتاتور أرتيريا “أسياس أفورقي” في بعض مفاصلها بشكل عجيب مع سيرة ومسيرة “حافظ الأسد”

By   /  May 1, 2017  /  Comments Off on تتشابه سيرة دكتاتور أرتيريا “أسياس أفورقي” في بعض مفاصلها بشكل عجيب مع سيرة ومسيرة “حافظ الأسد”

    Print       Email
مخجل ومحزن ومؤلم في آن، أن تجد بلدا عربيا يسير بخطى حثيثة على نهج “سوريا الأسد” الذي تحصد المنطقة ثماره المرة ونتائجه الكارثية، وموجع أن يمر على محنة شعب ذلك البلد ربع قرن دون أن تحظى بكثير التفاف من العرب، ومن السوريين بالذات، كون الشعبين أصحاب “وجع واحد”.
لايعرف الأرتيريون بماذا يعبرون في يوم 25 مايو/أيار 2016.. سعادتهم بـمرور 25 عاما على “استقلال” بلادهم عن أثيوبيا، أم فجيعتهم بالدكتاتور الذي سرق “الاستقلال” وفرض نفسه على الأرتيريين رئيسا واحدا أوحد وأزليا، مُدخلا البلاد في أتون التفرقة الدينية والعرقية ومجاهل الفقر والظلم والانغلاق، التي حولتها إلى “كوريا الشمالية الأفريقية” كما تسمى في أدبيات الصحافة الغربية، وإن كانت أقرب إلى لقب “سوريا الأسد الأفريقية” كما سنرى.
تتشابه سيرة دكتاتور أرتيريا “أسياس أفورقي” في بعض مفاصلها بشكل عجيب مع سيرة ومسيرة “حافظ الأسد”، لاسيما عندما نتحدث عن “براعة” الشخصين في إثارة الانشقاقات داخل الحزب و الحركة المنضوين تحت لوائها، واللعب على وتر هذه الانشقاقات وتنميتها، باعتبارها الوسيلة الأنسب والأضمن لسيادة شخص ينتمي إلى “الأقلية” ووصوله إلى حكم “الأكثرية” والتحكم بمصيرها.
وليس هذا وحسب، فطريقة بلوغ “أفورقي” قمة هرم السلطة، توحي إن لم تكن تؤكد أنه تلميذ نجيب لحافظ الأسد، أو أن كليهما تخرجا من مدرسة واحدة وعلى يد “أستاذ” واحد.
فمنذ انضمامه إلى “جبهة تحرير أرتيريا” أول حركة عسكرية لمقاومة الاحتلال الأثيوبي، لم يكل “أفورقي” ولم يمل من إثارة الانشقاقات والتنقل من فصيل منشق إلى آخر، حتى وصل إلى زعامة المقاومة الأرتيرية واحتكرها في حركته وشخصه.
ففي عام 1965 وبعد 4 سنوات من تأسيس “جبهة تحرير أرتيريا” بقيادة المسلم “حامد عواتي”، التحق “أفورقي” بالجبهة، رغم تحفظاته على اتجاهها الإسلامي ودعوتها لضم أرتيريا إلى الجامعة العربية حسب ما يقول العارفون بسيرته، منطلقا في ذلك من خلفيته المسيحية، وهو الذي يقدم نفسه بصفة “ماركسي”.
لم يلبث “أفورقي” في جبهة التحرير طويلا حتى دعم انشقاقا فيها، وقفز سريعا إلى الفصيل المنشق المسمى “قوات التحرير الشعبية”، ولكن وجود قائد مسلم للفصيل المنشق ( عثمان صالح سبي)، أصاب “أفورقي” بخيبة الأمل من جديد، فقرر أن يكرر المحاولة وأن يحدث فصيلا منشقا جديدا تحت اسم “الجبهة الشعبية لتحرير ارتيريا”، وبحث عن شخصية “ديكورية” (رمضان محمد نور) لتولي القيادة على أن يكون هو –أفورقي- نائبا له، ولم تدم المسرحية إلا عاماً، حين أطاح “أفورقي” بنائبة “نور” وتربع على عرش “جبهة تحرير أرتيريا” محتكرا “المقاومة ضد الاحتلال الأثيوبي”، وممهدا الطريق نحو احتكار أرتيريا أرضا وشعبا فيما بعد.
إلى هنا يبدو التشابه وربما التطابق في سيرة “حافظ الأسد” و”أسياس أفورقي” لافتا، فحافظ كما أسياس، لعب على حبال الانشقاقات طويلا، وفتت “حزب البعث” إلى حركات واتجاهات، ضمنت له في النهاية السيطرة على الحزب، واستخدامه غطاء للوصول إلى رئاسة سوريا حاكما مطلقا، بنص الشعارات وشهادة الممارسات، وعندما حانت ساعة قفزه إلى هرم السلطة لم يتعجل بل وضع “أحمد الخطيب” مكانه أشهرا كـ”واجهة سنية” ثم نحاه بكل يسر دون أدنى ضجة.
ولكن هل ينتهي التقاء “أفورقي” بـ”الأسد” عند هذا الحد.. الوقائع تجيب بـ”لا”، فبمجرد أن تولى “أفورقي” قيادة “جبهة تحرير أرتيريا” التي هي نواة جيشه ومخابراته، عمد أبناء الجبال –نعم أبناء الجبال!- ممن ينتمون إلى المسيحية للالتحاق جماعيا بالحركة، وحجزوا لهم مكانا واسعا فيها، حتى لم يعد للمسلمين فيها من صوت يذكر، رغم أنهم أول من أطلق شرارة مقاومة الاحتلال الأثيوبي وأكثر من ضحى في سبيل ذلك، ورغم أنهم يشكلون أغلبية أمام المسيحيين الذين كانوا حينها أقلية، قبل أن تؤثر سياسات “أفورقي” التمييزية في إفقار وتهجير مئات الآلاف من أهل أريتريا وتعديل ديموغرافيتها، في ظل تقديرات تشير إلى أن هناك ما يقارب 4 آلاف أريتري يغادرون بلادهم كل شهر، متحدين مشاق السفر وركوب قوارب الموت نحو أوربا.
ورغم أنها لغة رسمية بموجب دستور البلاد، فإن العربية أقصيت بفضل سياسات “أفورقي” عن المشهد، وباتت “التجرينية” –أو التقرينية- هي اللغة الأساس، باعتبار الأخيرة هي اللغة السائدة في صفوف المسيحيين الأرتيريين، بينما العربية هي اللغة المفضلة بين المسلمين.. بل إن أحد مقاييس “الوطنية” في عرف “أفورقي” ومحازبيه، بات مرتبطا بمدى إتقان الشخص لـ” التجرينية”، علما أن العربية متجذرة في أرتيريا منذ تاريخ غابر، وهي سابقة على دخول الإسلام إليها، وعلما أن أول بلد دخله الإسلام بعد مكة في عموم العالم، هو أرض أرتيريا، وأول مسجد أسس في الإسلام –على الإطلاق- تمت إشادته في أرتيريا (كانت ضمن أرض الحبشة)، التي هاجر إليها ثلة من الصحابة سنة 8 قبل الهجرة (614م). اللعب على وتر الانشقاقات واستثمارها.. التدثر بغطاء العلمانية أو الماركسية.. تنصيب شخصيات ديكورية ثم إقصاؤها والانقضاض على السلطة.. انضمام أو ضمّ أبناء الجبال إلى الجيش والأمن والوظائف المؤثرة.. تطييف البلاد.. نقاط مشتركة بين “أفورقي” و”الأسد”، اللذين يأبيان إلا الالتقاء في مزيد من المحطات.
ففي 25 أيار/مايو 1991، قرر “أفورقي” أن يحول “يوم الاستقلال” إلى انطلاقة لحركة شرع خلالها في تصفية حتى أقرب المقربين منه، عاملا على ترسيخ سلطانه وسلطاته وكأنه يعيش أبدا، مهتديا بحافظ وحركته “التصحيحية”.
وحتى مع موت “حافظ” بقي “أفورقي” محافظا –وبشكل مثير للدهشة- على نقاط الالتقاء، ففي 2001 أنهى “أفورقي” ما يسمى “ربيع أسمرة”، وزج بجميع من نادوا بالإصلاح وإنهاء الاستبداد في السجون، وهي –وياللمفارقة- نفس السنة ونفس الصيغة التي صفى فيها بشار ومخابراته حسابهم مع من أطلقوا “ربيع دمشق”.
هل انتهت المشابهات..لا، فلدى نظام “أفورقي” من نقاط التوافق مع “الأسد” الكثير، مع اختلاف في بعض التفاصيل، فقد حول “أفورقي” أرتيريا إلى معسكر كبير، فكل ما فيها مصبوغ بطابع العسكرة، بدعوى مواجهة “التهديدات الأثيوبية”، ولذا فإن الخدمة العسكرية في نظام “أفورقي” غير محدودة بمدة، ولا يعرف المرمي في أتونها متى يخرج، وهي لاتستثني ذكرا أو أثنى، وليس فيها من “العسكرية” المعروفة إلا الاسم، فـ”الجنود” هنا يخدمون في المصانع والمكاسر وتعبيد الطرقات وغيرها، وهم يعملون بلا أجر غالبا.
كل ما في “أرتيريا” اليوم والأمس –ومنذ ربع قرن على الأقل- يشير إلى أنها نسخة أفريقية من “سوريا الأسد”، فالنظام المخابراتي والطابع العسكري ساهم وما زال في “تطفيش” مئات آلاف الأرتيريين خارج بلادهم، والإعلام ليس فيه سوى صوت “أفورقي” وصورته، والفارق أن لدى السوريين قنوات وصحف”متعددة” بمضمون واحد، أما الأرتيريين فليس لديهم حتى اليوم سوى قناة واحدا ووحيدة، في تعبير قاس و”أمين” لمشهد الرجل الواحد والحزب الواحد والصوت الواحد.
في “أرتيريا”، وحسب شهادات الهاربين من الجحيم والسجن الكبير أو الصغير، هناك معتقلات كثيرة، ورجال مخابرات ديدنهم التعذيب ومزيد من التعذيب، ولديهم ورقة اتهامات جاهزة، ما على المعتقل إلا أن يبصم عليها وإلا..
في “أرتيريا”، وحسب “العفو الدولية” ما لايقل عن 10 آلاف معتقل سياسي، من مجمل السكان الذين يناهزون 4 ملايين نسمة.
في “أرتيريا” أيضا، ملامح توريث لا تخطئها عين، يقوم فيها “أبراهام أفورقي” مقام “بشار الأسد”، وتثبتها وسائل إعلام “أفورقي” من حيث تريد نفيها، بنفس الطريقة “المتذاكية” التي يتبعها إعلام الأسد.
أول وأهم مقومات “أبراهام” المولود في 1985، هي انه ابن “المناضلين أسياس أفورقي وسابا هايلي”، يضاف إليها إنهاؤه “الخدمة الوطنية”، ومسحة الثقافة والمستوى العلمي الرفيع التي تضفيها شهادة الهندسة في الطيران.
في “أرتيريا”.. قائد ملهم أوحد، أقواله مقياس الوطنية، يحتكر المقاومة، يتاجر بـالصراع مع أثيوبيا فسيتدير نحو إسرائيل متحالفا معها، يفرض العسكرة على المجتمع والدولة، قاد حرب التحرير، ونهضة البلد، حزبه –مثل شخصه- لا يضاهى، وابنه مؤهل بالفطرة، ليس طائفيا ولا متعصبا لعرقه، ولكن أبناء طائفته وعرقه هم المقدمون في كل شيء تقريبا!
في “أرتيريا”، رئيس.. جعل الأرتيريين يحنون إلى أيام الاحتلال الأثيوبي، مقارنة بـ”الاستقلال” الذي حوله إلى نكبة بدل أن يكون عيدا، رئيس.. ترك شعبه بين فقير معدم ومهجر هائم على وجهه في بقاع الأرض ومعتقل مجهول المصير وخانع رضي من الحياة بلقمة، رئيس.. مقامه لايقبل النقاش، وتضحياته لاتحتمل الجدال و”من اعترض انطرد”، إما من عمله الذي لايكاد يسد رمقه، وإما من الوطن الذي صار سجنا، وإما من الحياة كلها.
في “أرتيريا”.. شعب تفجر حالته كل براكين الألم.. شعب “شقيق” لنا في الطغيان والظلم والظلمات وإن اختلفت التفاصيل.. شعب يستحق منا –كسوريين بالذات- أن نولي قضيته بعض الاهتمام، على ما بنا من جراحات، فنحن أكثر من أحس ويحس بمعنى تسجيل البلاد وأهلها باسم فرعون “صغير”.

    Print       Email

You might also like...

وزير خارجية فرنسا بالكويت لدعم حل الأزمة الخليجية

Read More →